الرئيسية / الخط الزمني / الهجرتان إلى الحبشة / مقارنة الروايات
مقارنة روايات: الهجرتان إلى الحبشة
قبل الهجرة بنحو ٨ سنة
هاجر نفر من الصحابة إلى النجاشي الملك العادل فرارًا بدينهم، ثم كانت الهجرة الثانية أوسع ببضعة وثمانين رجلًا، وفيها موقف جعفر المشهود.
الطبقات الكبرى (القسم النبوي)
ج٥ / ص٥١ابن سعد (ت ٢٣٠هـ)
النَّجَاشِيّ بأرض الحَبَشَة وأهدى له هدايا ليُقِيمَ في جِوَارِهِ، ووافق هناك عَمْرَو بن أُمَيّة الضَّمْرِيّ قد بعثه رسول الله، - ﷺ -، إلى النجاشي وكتب معه كتابين: أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام، والآخر يسأله فيه أن يُزَوِّجَه أُمّ حَبِيبَة بنت أبي سفيان، ويبعث إليه بأصحابه أهلِ السفينتين. فلقي عَمْرُو بن العاص عَمْرَو بن أميَّة فضربه وخنقه بردائه، ثم دخل على النجاشي فأخبره فغضب النجاشي وقال: والله لو قتلتَهُ ما أبقَيتُ منكم أحدًا، أَتَقْتُلُ رَسُولَ رسولِ الله، - ﷺ -،؟! قال عمرو بن العاص فقلت: أَتَشْهَدُ أَنّه رسولُ الله؟ قال: نعم. أشهد أنه رسول الله. فقلت: وأنا أَشْهَدُ أنه رسول الله، ابْسُطْ يَدَك أُبَايِعْك، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجتُ إلى عَمْرو بن أُمَيّة، فَعَانَقْتُه، وَعَانَقَنِي، وأخبرته بإسلامي، وانطلقتُ سريعًا إلى المدينة فأتيتُ رسول الله، - ﷺ -، فبايعته على الإسلام وأن يُغْفَر لي ما تقدم من ذنبي، وأن أُشْرَك في الأمر ففعل، ونسيتُ أن أقول له: يُغْفَرُ لي ما تأخّر من ذنبي (^١).
قال: أخبرنا إسحاق الخراساني بن أبي إسرائيل، قال: (* حدثنا النَّضْر بن شُمَيْل قال: أخبرنا أَبُو عَوْن عبد الله بن عون، عن عُمَير بن إسحاق قال: استأذن جعفرٌ رسولَ الله، - ﷺ -، فقال: ائذنْ لي [أن] آتي أرضًا أعبدُ اللهَ فيها لا أخافُ أحدًا إلا الله. قال: فأَذِنَ له فأتى النَّجَاشِيَّ قال [عُمَيْر] فحدثني عمرو بن العاص قال: فلما رأيتُ مكانَه حَسَدتُه، قال قلت: والله لأستقتِلَنّ لهذا ولأصحابه، فأتيتُ النجاشي فدخلت عليه فقلت له: إِنَّ بأرضك رجلًا ابنُ عَمِّه بأرضنا، وإنه يزعم أنه ليس للناس إلّا إلهٌ واحدٌ، وإنك والله إنْ لم تَقْتُلْه وأصحابَه، لا أقطعُ هذه النُّطْفَةَ (^٢) إليك أبدًا، أنا ولا أحدٌ من أصحابي قال: ادْعُه. قال قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسلَ [إليه] معي رسولًا، قال: فجاء، فلما انتهيت إلى الباب، ناديت: ائْذَنْ لعمرو بن العاص، ونادى هو مِن خلفي: ائْذَنْ لحِزْبِ الله.
_________
(^١) الخبر لدى الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/ ٦١، نقلًا عن ابن سعد.
(* - *) الخبر بسنده ونصه لدى الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/ ٦١ - ٦٣ وما بين حاصرتين منه.
(^٢) النطفة: أراد بها ماء البحر. أي: لا نسافر إليك.
دلائل النبوة لأبي نعيم
ج١ / ص٢٦٦أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠هـ)
النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ فَخَيَّبَهُمُ النَّجَاشِيُّ وَرَدَّهُمَا خَائِبَيْنِ فَازْدَادَ الْمُشْرِكُونَ فِي الشِّدَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَآمَرُوا فِي قَتْلِ النبي ﷺ ثُمَّ أَدْخَلُوهُ وَبَنِي هَاشِمٍ الشِّعْبَ وَكَتَبُوا الصَّحِيفَةَ عَلَى أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُجَامِعُوهُمْ فَبَقُوا مُحْصَرِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى أَنْ سَلَّطَ اللَّهُ ﷿ الْأَرَضَةَ عَلَى الصَّحِيفَةِ فَلَحِسَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ﷺ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ﷿ فَخَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ وَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي عَشِيرَتِهِ وَأَعْمَامِهِ حَامٍ وَلَا ذَابٌّ عَنْهُ فَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ أَخْوَالِهِ بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ وَكَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ أَنْ يُؤْوُوهُ أَوْ يَنْصُرُوهُ لِيُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ إِلَى أَنْ قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْأَنْصَارَ فَبَايَعُوهُ وَأَذِنَ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَانْتَظَرَ هُوَ ﷺ لِيَأْذَنَ اللَّهُ ﷿ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ
جوامع السيرة
ج١ / ص٥٧ابن حزم (ت ٤٥٦هـ)
وقد قيل: إن أول من هاجر إلى أرض الحبشة أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك.
ومن بني الحارث بن فهر: سهيل ابن بيضاء، وهو سهيل بن وهب ابن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث.
ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، ومعه امرأته أسماء بنت عميس، فولدت هناك بنيه: محمدًا، وعبد الله، وعونًا.
وعمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد الشمس. ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرق (^١) بن [خمل] (^٢) بن شق بن رقبة بن مخدج (^٣) الكناني.
وأخوه خالد بن سعيد. معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر ابن بياضة بن يثيع بن جعثمة (^٤) بن سعد بن مليح بن عمرو، من (^٥) خزاعة. فولدت له هناك سعيدًا، وابنة حبة (^٦)، وهي أم خالد التي تزوجها الزبير بعد ذلك. فولدت له خالد بن الزبير، وعمرو بن الزبير.
ومن حلفائهم من بني أسد بن خزيمة: عبد الله بن جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة.
وأخوه عبيد الله، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، فتنصر هنالك، ومات مرتدا.
_________
(^١) في ابن هشام: ٣٤٦، وأسد الغابة: محرث.
(^٢) زيادة من ابن سعد.
(^٣) الجمهرة: ١١٦: مخرج.
(^٤) في الأصل: سبيع بن خثعمة.
(^٥) في الأصل: " بن "، والتصحيح عن ابن هشام.
(^٦) في أسد الغابة وابن هشام: أمة.
الدرر في اختصار المغازي والسير
ج١ / ص٥٤ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ)
أَرض الْحَبَشَة، وَكَانَ متجرا لقريش، وَكَانَ يثني على النَّجَاشِيّ بِأَنَّهُ لَا يظلم عِنْده أحد فَانْطَلق الْمُسلمُونَ إِلَى بَلَده. وَانْطَلق إِلَيْهَا عَامَّة من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَدخل بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شِعْبهمْ: مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا، وَالْكَافِر حمية*. فَلَمَّا عرفت قُرَيْش أَن رَسُول اللَّه ﷺ قد مَنعه قومه أَجمعُوا على أَلا يبايعوهم وَلَا يدخلُوا إِلَيْهِم شَيْئا من الرِّفْق١ وَقَطعُوا عَنْهُم الْأَسْوَاق وَلم يتْركُوا طَعَاما وَلَا إدَامًا وَلَا بيعا إِلَّا بَادرُوا إِلَيْهِ واشتروه دونهم٢ وَلَا يناكحوهم، وَلَا يقبلُوا مِنْهُم صلحا أبدا، وَلَا تأخذهم بهم رأفة، حَتَّى يسلمُوا رَسُول اللَّه ﷺ للْقَتْل. وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وعلقوها فِي الْكَعْبَة، وتمادوا على الْعَمَل بِمَا فِيهَا من ذَلِك ثَلَاث سِنِين. فَاشْتَدَّ الْبلَاء على بني هَاشم فِي شِعْبهمْ وعَلى كل من مَعَهم* *. فَلَمَّا كَانَ رَأس ثَلَاث سِنِين تلاوم قوم من بني قصي، مِمَّن ولدتهم بَنو هَاشم وَمِمَّنْ سواهُم، فَأَجْمعُوا أَمرهم على نقض مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْغدر والبراءة، وَبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة، فَأكلت ولحست مَا فِي الصَّحِيفَة من مِيثَاق وعهد. وَكَانَ أَبُو طَالب فِي طول مدتهم فِي الشّعب يَأْمر رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي فرَاشه كل لَيْلَة حَتَّى يرَاهُ من أَرَادَ بِهِ شرا أَو غائلة. فَإِذا نَام النَّاس أَمر أحد بنيه أَو إخوانه أَو بني عَمه، فاضطجع على فرَاش رَسُول اللَّه ﷺ، وَأمر رَسُول اللَّه أَن يَأْتِي بعض فرشهم فيرقد عَلَيْهَا. فَلم يزَالُوا فِي الشّعب على ذَلِك إِلَى تَمام ثَلَاث سِنِين. فَلَمَّا أكملوها تلاوم رجال من قُرَيْش وحلفائهم وَأَجْمعُوا أَمرهم على نقض مَا كَانُوا تظاهروا عَلَيْهِ من القطيعة والبراءة. وَبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة، فلحست كل مَا كَانَ فِيهَا من عهد لَهُم وميثاق، وَلم تتْرك فِيهَا اسْما لله ﷿ إِلَّا لحسته، وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من شرك أَو ظلم وَقَطِيعَة رحم. فَأطلع اللَّه ﷿ رَسُوله
_________
* قلت: هَذِه حجَّة الشَّافِعِي فِي إِلْحَاق بني الْمطلب ببني هَاشم دون بني عبد شمس وَغَيرهم. وَجَاء فِي حَدِيث: أَن بني هَاشم وَبني الْمطلب لم يفترقوا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام. وَمذهب مَالك أَن بني الْمطلب كغيرهم، وَأَن الخصوصية فِي تَحْرِيم الصَّدقَات وَنَحْو ذَلِك لبني هَاشم خَاصَّة. وَالله أعلم.
١ الرِّفْق: مَا استعين بِهِ.
٢ أَرَادوا بذلك قطع الْميرَة عَنْهُم، وَيُقَال إِنَّهُم كَانُوا لَا يخرجُون من شِعْبهمْ إِلَّا من موسم إِلَى موسم.
* * قلت: حَتَّى قَالَ أحدهم، وطِئت ذَات لَيْلَة على شَيْء رطب، فَرَفَعته إِلَى فمي، فابتلعته، فَمَا أدرى مَا هُوَ إِلَى الْآن. وَقَالَ آخر: فعدت للبول لَيْلَة، فَسمِعت تحتى قعقعة فَالْتمست، فَإِذا هِيَ جلدَة يابسة، فأخذتها، فغسلتها، واشتويتها، فرضضتها "دققتها"، وَلَقَد أَمْسَكت رمقي بهَا [انْظُر فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ السُّهيْلي ١/ ٢٣٢] .
الروض الأُنُف
ج٣ / ص١٥٧السهيلي (ت ٥٨١هـ)
حَدِيث التَّاجِر الَّذِي ابْتَاعَ النَّجَاشِيّ:
فَجَاءَهُمْ التّاجِرُ الّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ فَقَالَ إمّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي، وَإِمّا أَنْ أُكَلّمهُ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: لَا نُعْطِيك شَيْئًا، قَالَ إذَنْ وَاَللهِ أُكَلّمُهُ قَالُوا: فَدُونَك وَإِيّاهُ. قَالَتْ فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَيّهَا الْمَلِكُ ابْتَعْت غُلَامًا مِنْ قَوْمٍ بِالسّوقِ بِسِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَسْلَمُوا إلَيّ غُلَامِي، وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي، حَتّى إذَا سِرْت بِغُلَامِي، أَدْرَكُونِي، فَأَخَذُوا غُلَامِي، وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي. قَالَتْ فَقَالَ لَهُمْ النّجَاشِيّ: لِتُعْطُنّهُ دَرَاهِمَهُ أَوْ لَيَضَعَنّ غُلَامُهُ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَلْيَذْهَبْ بِهِ حَيْثُ شَاءَ قَالُوا: بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمَهُ. قَالَتْ فَلِذَلِكَ يَقُولُ مَا أَخَذَ اللهُ مِنّي رِشْوَةً حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ فَأُطِيعُ النّاسَ فِيهِ. قُلْت: وَكَانَ ذَلِكَ أَوّلَ مَا خُبِرَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِ وَعَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمّا مَاتَ النّجَاشِيّ، كَانَ يَتَحَدّثُ أَنّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبره نور
ــ
وَأَعْدَاؤُهُ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ كَثِيرُ الْأَرَاكِ، كُنْت أَرْعَى فِيهِ الْغَنَمَ عَلَى سَيّدِي، وَهُوَ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ وَأَنّ اللهَ قَدْ هَزَمَ أَعْدَاءَهُ فِيهِ وَنَصَرَ دِينَهُ فَدَلّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى طُولِ مُكْثِهِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَمِنْ هُنَا - وَاَللهُ أَعْلَمُ - تَعْلَمُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مَا فَهِمَ بِهِ سُورَةَ مَرْيَمَ حِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِ حَتّى بَكَى، وَأَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ إنّا نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنّ اللّعْنَةَ تَقَعُ فِي الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ إمَارَةُ الصّبْيَانِ
مَنْ فَقِهَ حَدِيثَ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ
فَصْلٌ: وَمِمّا فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَيْفَ نُصَلّي فِي السّفِينَةِ إذَا رَكِبْنَا فِي الْبَحْرِ؟ فَقَالَ ﷺ "صَلّ قَائِمًا إلّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ" خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَصَلّى أَنَسٍ فِي السّفِينَةِ جَالِسًا. وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَنِ يُصَلّي قَائِمًا إلّا أَنْ يَضُرّ بِأَهْلِهَا.
الاكتفاء
ج١ / ص٢٠٣الكلاعي (ت ٦٣٤هـ)
النجاشى مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلننا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه.
فمشوا إلى عمه، فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى أو لتخرجنه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا. قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم.
فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه فى سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشى من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته.
ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هو محمق ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه قال بعضهم لبعض: تعلموا والله أن ملككم الذى لا يقيم أمركم غيره الذى بعتموه غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه.
قالت: فخرجوا فى طلبه وطلب الرجل الذى باعوه منه حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك، فجاءهم التاجر الذى كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطونى مالى وإما أن أكلمه فى ذلك. فقالوا: لا نعطيك شيئا.
قال: إذا والله أكلمه. قالوا: فدونك.
فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسلموا إلى غلامى وأخذوا دراهمى، حيث إذا سرت أدركونى فأخذوا غلامى ومنعونى دراهمى.
فقال لهم النجاشى: لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده فى يده فليذهبن به حيث شاء! قالوا: بل نعطيه دراهمه «١» .
وكان ذلك أول ما خبر من صلابته فى دينه وعدله فى حكمه رحمه الله تعالى، وعن عائشة قالت: لما مات النجاشى كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
وذكر ابن إسحاق «٢» أيضا، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الحبشة اجتمعت، فقالوا للنجاشى، يعنى عندما وافق جعفر بن أبى طالب على قوله فى عيسى ابن مريم:
_________
(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٢٣- ١٢٤) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨١) .