الرئيسية / مقارنة النصوص
مقارنة النصوص
اعرض موضعين من كتابين متجاورين — تنقّل في كل جانب على حدة لمقارنة الروايات والسياقات.
السيرة النبوية لابن كثير
ابن كثير · ج١ · ص٣٠ · موضع ٤٧/٢٬٤٩٥
وَيُقَالَ إِنَّ الْفِيلَ مَعَ عَظَمَةِ خَلْقِهِ يَفْرَقُ مِنَ الْهِرِّ، وَقَدِ احْتَالَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْحُرُوبِ فِي قِتَالِ الْهُنُودِ بِإِحْضَارِ سَنَانِيرَ إِلَى حَوْمَةِ الْوَغَى فَنَفَرَتِ الْفِيَلَةُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِن أَبْرَهَة بنى الْقليس بِصَنْعَاء، كَنِيسَة لم ير مثلهَا فِي زمانها بشئ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكٍ كَانَ قَبْلَكَ، وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إِلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ.
فَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ أَبْرَهَةَ اسْتَذَلَّ أَهْلَ الْيَمَنِ فِي بِنَاءِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ الْخَسِيسَةِ، وَسَخَّرَهُمْ فِيهَا أَنْوَاعًا مِنَ السُّخَرِ، وَكَانَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنِ الْعَمَلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ يَقْطَعُ يَدَهُ لَا مَحَالَةَ، وَجَعَلَ يَنْقُلُ إِلَيْهَا مِنْ قَصْرِ بِلْقِيسَ رُخَامًا وَأَحْجَارًا وَأَمْتِعَةً عَظِيمَةً، وَرَكَّبَ فِيهَا صُلْبَانًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَابِرَ مِنْ عَاجٍ وَآبِنُوسَ، وَجَعَلَ ارْتِفَاعَهَا عَظِيمًا جِدًّا وَاتِّسَاعَهَا بَاهِرًا، فَلَمَّا هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَة وَتَفَرَّقَتْ الْحَبَشَة كَانَ من يتَعَرَّض لاخذ شئ مِنْ بِنَائِهَا وَأَمْتِعَتِهَا أَصَابَتْهُ الْجِنُّ بِسُوءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى اسْمِ صَنَمَيْنِ، كُعَيْبٍ وَامْرَأَتِهِ، وَكَانَ طُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَتَرَكَهَا أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى حَالِهَا.
فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى زَمَنِ السَّفَّاحِ أَوَّلِ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَزْمِ وَالْحَزْمِ وَالْعِلْمِ فَنَقَضُوهَا حَجَرًا حَجَرًا وَدَرَسَتْ آثَارُهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا تَحَدَّثَتِ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ إِلَى النَّجَاشِيِّ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسَأَةِ مِنْ كِنَانَةَ، الَّذِينَ يَنْسَئُونَ شهر الْحَرَامَ إِلَى الْحِلِّ بِمَكَّةَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، كَمَا قَررنَا ذَلِك عِنْد قَوْله: (إِنَّمَا النسئ زِيَادَة فِي الْكفْر) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجَ الْكِنَانِيُّ حَتَّى أَتَى الْقليس فَقعدَ فِيهَا (١)، أَيْ أَحْدَثَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ، فَأُخْبِرَ أَبْرَهَةُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَنْ صَنَعَ هَذَا؟
فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي تَحُجُّهُ الْعَرَبُ بِمَكَّة، لما سمع بِقَوْلِك أَنَّك
_________
(١) المطبوعة: فِيهِ.
(*)