المكتبةمكتبتي

الرئيسية / مقارنة النصوص

مقارنة النصوص

اعرض موضعين من كتابين متجاورين — تنقّل في كل جانب على حدة لمقارنة الروايات والسياقات.

الأيام النضرة في السيرة العطرة

صالح المغامسي · ج٥ · ص٧ · موضع ١٢٢/١٤٩

تواضعه ﷺ وعلو نفسه والمقصود: أنه لن ينتظر حتى يأتي كسرى آخر، فهذا كله حصل في طريق الهجرة، ومر ﷺ على خيمتين يقال لهما خيمتي أم معبد، وهي امرأة خزاعية كانت برزة جلدة، وسيأتي ذكرها في السيرة النبوية إن شاء الله، وكان لها خيمتان تطعم الأضياف الذين يمرون عليها، فمر عليها النبي ﷺ ومعه الركب الذي ذكرناه، وسألها اللبن، فلم يجد عندها شيئًا، فكان أن ظهرت إحدى معجزاته ﷺ إذ مسح على الشاه ودر لبنها، وشرب ﷺ بعد أن سقى القوم جميعًا، وكما بين الله في حالة الخيمتين ما للنبي ﵊ من كرامة ومنزلة عند ربه أن درت الشاة وهي أصلًا ليست ذات لبن، بين ﷺ خلقه القويم الرفيع صلوات الله وسلامه عليه. وإن من دلائل أخلاق الرجال أنهم إذا صحبوا أناسًا في سفر لا يترفعون عليهم، ولا يظهرون للغريب أو لمن يقدمون عليه أنهم أفضل الركب وأفضل الموجودين، فيبز الإنسان أقرانه، ويرتفع على أصدقائه، وإنما بين ﷺ أنه أقلهم شأنًا وهو ليس كذلك، فسقى أبا بكر وسقى عامر بن فهيرة، ثم سقى عبد الله بن أريقط وهو كافر، ثم سقى المرأة صاحبة الدار، فلما شربوا جميعًا قال ﵊: (ساقي القوم آخرهم شربًا)، ثم شرب صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله يدل على كريم معدنه، وطيب أصله صلوات الله وسلامه عليه، ومثل هذا لا يحتاج إلى دليل، وإنما يحتاج إلى أن يلفت الإنسان النظر إليه حتى يعرف أي ميزان خلقي كان عليه نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد قلنا مرارًا: إن الإنسان لا يستطيع أن يقيم الحق بالناس حتى يقيمه في نفسه، وإنه لن ينال الإمامة في الدين والنصرة وأن يكون شخصًا متبوعًا يكتب له القبول حتى يقيم هذا الأمر في نفسه أولًا، والله جل وعلا أجلّ من أن يخدع وأكبر ﵎ من أن يوارى معه. فسار ﷺ حتى وصل إلى المدينة، وقد خرج ﵊ من مكة يوم الإثنين ومكث في سفر هجرته أسبوعين، فدخل المدينة يوم الإثنين الثامن من شهر ربيع الأول، وعلى القول الذي مضى معنا أنه إذا قلنا إنه ﵊ ولد في التاسع من شهر ربيع الأول كما حررنا هذا في اللقاء الأول؛ يكون ﷺ عندما دخل المدينة قد أتم خمسين عامًا بالتمام والكمال. دخل ﵊ من جهة قباء وكانت يوم ذاك ديارًا لبني عمرو بن عوف، فنزل على دار كلثوم بن الهدم ﵁ وأرضاه، وكانت مستقبلة مسجد قباء اليوم، فأسس مسجد قباء، وهو أول من مسجد أسس في الإسلام، قال الله جل وعلا: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨] أي: مسجد الضرار، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] أي: من أول يوم في هجرتك، ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، فمكث ﷺ في دار كلثوم بن الهدم وأسس مسجد قباء، ومكث في قباء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ويوم الجمعة مضى ﷺ ومعه جمع ممن استقبلوه أكثر من مائة رجل حتى أتى بطن الوادي ما يسمى اليوم بمسجد الجمعة، فصلى ﷺ الجمعة بأصحابه في ذلك الموطن، وهي أول جمعة أقيمت بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ثم ركب القصواء، وأرسل إلى إخوانه من بني النجار، وقد قلنا: إن هاشمًا جد النبي ﷺ كان متزوجًا من امرأة من بني النجار يقال لها سلمى، وأنجب منها ابنه شيبة الذي عرف بعد ذلك بـ عبد المطلب، فأرسل ﷺ إلى أخواله من بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، فدخل النبي ﷺ المدينة، فسمع فيها التكبير: الله أكبر جاء رسول الله، فلا يمكن أن يغبط أحد أكثر من أن يغبط أهل المدينة آنذاك عندما خصهم الله بأن جعل بلادهم وجعلهم هم أهل رسول الله ﷺ، فخرج الحيان الأوس والخزرج وكانوا كما قال ابن خلدون وغيره: كانوا ذوي قوة وأنفة وشكيمة وإباء، فلم يقدموا إلى أحد من الملوك أتاوة ولا غيرها ولا جباية. فدخل ﷺ المدينة، فلما دخلها رسول الله ﷺ أنار منها كل شيء صلوات الله وسلامه عليه، كما قال أنس، وهو ﵊ على ناقته القصواء، والناس ذات اليمين وذات الشمال، ولم يكن الأنصار قومًا ذا ثراء، لكنهم كانوا محبين لرسولهم ﷺ، فيتسابقون إلى زمام ناقته: هلم إلى العز والمنعة هلم إلى العدد والأنفة، وهو ﷺ يقول: (خلوا سبيلها -أي: الناقة-؛ فإنها مأمورة)، حتى أتت إلى موضع المسجد اليوم فبركت فيه، وكانت الأرض ليتيمين من أخواله من بني النجار، وكان ﷺ يحب أن ينزل في ديار أخواله، حتى يكرمهم بأنه نزل عندهم على غيرهم، فبركت الناقلة ولم ينزل منها ﵊ ثم قامت، فجالت جولة كأنها تتأكد من الموضع، ثم رجعت إلى مبركها الأول فبركت، فنزل ﷺ بعد أن عمد أبو أيوب الأنصاري إلى متاعه ورحله وأدخله داره، فقال ﵊: (المرء مع رحله)، فسكن ﵊ في دار أبي أيوب الأنصاري مدة بناء الحجرات والمسجد الشريف.

الكتاب الثاني